اسماعيل بن محمد القونوي

120

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ لكن هذا كونه جوابا بناء على أسلوب الحكيم كأنهم بنوا قولهم على هذا المذكور إما تعصبا أو تغليظا فأجيبوا بذلك وإلا فبناء قولهم ادعاء منهم أن قلوبنا في أغطية بحسب الخلقة ولذا لا نفهم ما تقول ولا نسمعه كما عرفته من تصريح المصنف به في البقرة لكن قولهم بني على أسلوب الحكيم على ما ذكر لأنه الأنسب في الجملة بحالهم مما بنوا عليه كلامهم في نفس الأمر . قوله : ( وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل ) أشار إليه بقوله : أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ والاستقامة في العمل كما قال فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وهذا بيان للحصر الثاني وهو حصر حقيقي إذ المعنى أن الإله إله واحد لا غير والإضافة إليهم لمزيد الترغيب فلا مفهوم . قوله : ( وقد يدل عليهما دلائل العقل وشواهد النقل ) أي وقد دل عليهما الخ والتعبير به لإفادة الاستمرار وقد للتحقيق في المضارع وهذا تكلف فالأولى وقد دل كما في سائر المواضع قوله دلائل العقل ناظر إلى التوحيد وشواهد النقل ناظر إلى الاستقامة في العمل أو المجموع للمجموع . وهو المراد من قوله يعلمون ما نزل إليهم من الآيات المفصلة المبنية بلسانهم العربي المبين وعند ذلك اعرضوا وعاندوا وأوردوا الشبهة الزكية معارضين وإلى الإعراض الإشارة بقوله فاعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وإلى المعارضة بقوله : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [ فصلت : 5 ] الآية فكأنهم قالوا سلمنا دعواك لكن عندنا ما ينافيه وهو أن الرسالة منحصرة في الملكية وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ الشعراء : 186 ] وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ [ يس : 15 ] وليس عندنا ما يدفع به هذا الدليل وإن اجتهدت كل الاجتهاد وهذا معنى قوله فاعمل إننا عاملون على أحد وجهيه وهو فاعمل في إبطال أمرنا أننا عاملون في ابطال أمرك فأجابهم بقوله : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ فصلت : 6 ] على سبيل العقول بالموجب يعني لا شك أني بشر ولست بملك وذلك كيف يقدح في دعواي لأن الرسالة إنما ثبت بالدعوى وتصديقها بالمعجزة وقد حصل ذلك وهو دليل قاطع فلا اترك القاطع ولا اشتغل بجواب شبهتكم لأن الذي على الآن الدعوتي إلى التوحيد وبيان سبيل الرشاد والأمر بالتوبة مما سبق لكم من الترك والتحريض على مكارم الأخلاق من أداء الزكاة والإيمان بالآخرة إلى غير ذلك هكذا ينبغي أن يفسر تأويل صاحب الكشاف وهو أقرب الأقوال السالفة لأن مقتضى إنما وموجب فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ لا يساعد تأويلهم فإن قلت تأويلهم هذا مبنى على معنى فاعمل إننا عاملون في إبطال الأمر فما معنى الآية على الوجه الآخر وهو إننا عاملون في ديننا قلت تأويله ما رواه الواحدي عن مقاتل أن أبا جهل رفع ثوبه بينه وبين النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم فقال يا محمد أنت من ذلك الجانب ونحن من هذا الجانب فاعمل أنت على دينك ومذهبك إننا عاملون على ديننا ومذاهبنا قال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ فصلت : 6 ] أي كواحد منكم لا اتوخى إلا ما دعوتكم والنظم مع الأول إلى هنا كلام الطيبي قوله وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع وجه الدلالة وورود الوعيد والتهديد على تركهم أداء الزكاة إذ لولا أنهم مخاطبون بأداء الزكاة وسائر العبادات ومكلفون بها لما هددهم اللّه على ترك الزكاة .